ابن الجوزي

477

كتاب ذم الهوى

وكنا قد قاربنا المدائن ، وقد مضى أكثر الليل ، فرأيت منظرا لم أر قط مثله ، ومتّ جزعا ، وقلت : الساعة يقتلني لئلا أنمّ عليه ، ولم أجد حيلة ، فاستسلمت ، وطرح نفسه كالمغشيّ عليه ، وجعل يبكي ويقول : شفيت نفسي ، وقتلت نفسي ، ويلطم ، ورمى بالعود وجميع ما كان معه من فاكهة وأكل وشراب إلى الماء ، فطلع الفجر وأضاء ، وبقي بيننا وبين المدائن نصف فرسخ ، فطمعت في الحيلة عليه فقلت له : يا سيدي قد أصبحنا أفلا تصلي ؟ وأردت أن يصعد إلى الشطّ ، وأنحدر أنا في السميرية ، وأدعه ، فقال : بلى اطرحني إلى الشط . فقدمت السميرية إلى الشط ، وطرحته ، فحين صعد من السّميريّة أذرعا يسيرة ، إذا سبع قد قفز عليه فتناوله ، فرأيته واللّه في فمه كالفأرة في فم السّنّور « 1 » . فلا أنسى ما ورد على قلبي من السرور بذلك . فحدرت السفينة ، فلما تجاوزت المدائن طرحت إلى الشطّ ، وجمعت الحلي وخبأته تحت بارية السميرية ، وتأملت الثياب ، فغسلت ما أثّر الدم فيه وخبأته ، وانحدرت فما ردّ وجهي شيء إلى البصرة ، فنظرت فإذا معي حلي من ألف دينار ، وثياب بعتها بجملة دنانير كثيرة ، فأقمت بالبصرة أتّجر وخفت العود إلى بغداد لئلا يراني ذلك الغلام أو يطالبني بالرجل ، أو أسأل عن الحديث ، فلما طالت المدة ، وانقضت السنون ، وقع لي أنّ الأمر قد نسي واشتقت إلى بغداد ، وكانت البضاعة قد نمت وزادت ، فاشتريت بجميعها تجارة إلى بغداد ، ودخلت وأنا فيها منذ نحو سنة حتى رأيتني اليوم . أنبأنا محمد بن عبد الباقي ، قال : أنبأنا علي بن المحسّن التنوخي ، عن أبيه ، قال : حدثني عبد اللّه بن محمد ، قال : حدثني الشريف أبو أحمد الحسين بن موسى العلوي النقيب ، قال : حدثني شيخ كان يخدمني ، أنه حلف بالطلاق لا

--> ( 1 ) في المطبوع : كالفأرة في فم التّنّور ، وليس بشيء .